سيد قطب

3548

في ظلال القرآن

والشرط الأخير : « وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ » . . وهو يشمل الوعد بطاعة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - في كل ما يأمرهن به . وهو لا يأمر إلا بمعروف . ولكن هذا الشرط هو أحد قواعد الدستور في الإسلام ، وهو يقرر أن لا طاعة على الرعية لإمام أو حاكم إلا في المعروف الذي يتفق مع دين اللّه وشريعته . وأنها ليست طاعة مطلقة لولي الأمر في كل أمر ! وهي القاعدة التي تجعل قوة التشريع والأمر مستمدة من شريعة اللّه ، لا من إرادة إمام ولا من إرادة أمة إذا خالفت شريعة اللّه . فالإمام والأمة كلاهما محكوم بشريعة اللّه ، ومنها يستمدان السلطات ! فإذا بايعن على هذه الأسس الشاملة قبلت بيعتهن . واستغفر لهن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عما سلف « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . . يغفر ويرحم ويقيل العثرات . وفي الختام يجيء هذا الإيقاع العام : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ » . يجيء هتافا للذين آمنوا باسم الإيمان ، وبالصفة التي تميزهم عن سائر الأقوام ، إذ تصلهم باللّه وتفصلهم عن أعداء اللّه . وقد وردت بعض الروايات بأن المقصود بالقوم الذين غضب اللّه عليهم هم اليهود ، استنادا إلى دمغهم بهذه الصفة في مواضع أخرى من القرآن . ولكن هذا لا يمنع من عموم النص ليشمل اليهود والمشركين الذين ورد ذكرهم في السورة ، وكل أعداء اللّه . وكلهم غضب عليه اللّه . وكلهم يائس من الآخرة ، لا يعلق بها رجاء ، ولا يحسب لها حسابا كيأس الكفار من الموتى - أصحاب القبور - لاعتقادهم أن أمرهم انتهى ، وما عاد لهم من بعث ولا حساب . وهو هتاف يتجمع من كل إيقاعات السورة واتجاهاتها . فتختم به كما بدأت بمثله . ليكون هو الإيقاع الأخير . الذي تترك السورة أصداءه في القلوب . .